أبو حامد الغزالي

77

تهافت الفلاسفة

ولا يمكن أن يحال على فقد آلة ثم على وجودها ، بل أقرب ما يتخيل أن يقال : لم يرد وجوده قبل ذلك ؛ فيلزم أن يقال : حصل وجوده لأنه صار مريدا لوجوده بعد أن لم يكن مريدا ، فتكون قد حدثت الإرادة ، وحدوثه في ذاته محال ، لأنه ليس محل الحوادث ، وحدوثه لا في ذاته لا يجعله مريدا . ولنترك النظر في محل حدوثه ، أليس الإشكال قائما في أصل حدوثه ! ! وأنه من أين حدث ؟ ! ولم حدث الآن ولم يحدث قبله ؟ ! أحدث الآن لا من جهة اللّه ؟ ؛ فإن جاز حادث من غير محدث ، فليكن العالم حادثا لا صانع له ، وإلا فأي فرق بين حادث وحادث ؟ ! وإن حدث بإحداث اللّه ، فلم حدث الآن ولم يحدث قبل ؟ ! ألعدم آلة ، أو قدرة ، أو غرض ، أو طبيعة . فلما أن تبدل ذلك بالوجود حدث « 1 » ؟ ! عاد الاشكال « 2 » بعينه . أو لعدم الإرادة ؟ ! فتفتقر الإرادة إلى إرادة وكذا الإرادة الأولى ، ويتسلسل إلى غير نهاية . فإذن قد تحقق بالقول المطلق أن صدور الحادث من القديم من غير تغير أمر من القديم في قدرة أو آلة أو وقت « 3 » أو غرض أو طبع ، محال ، وتقدير

--> ( 1 ) في طبعة « بيروت » التي هي أصح النسخ الموجودة « « وحدث » بزيادة واو على اعتبار أن قوله « عاد الإشكال » جواب لقوله « فلما أن تبدل » وهو غير صواب . ( 2 ) يعنى بالإشكال هنا ما سبق من قوله « لم حدث الآن ولم يحدث من قبل ؟ لا يمكن أن يحال على عجزه عن الأحداث . . . إلخ » والمراد بقوله « أو طبيعة » طبيعة الإمكان حتى تكون الأمور الأربعة المذكورة هنا هي نفسها المذكورة في الإشكال المحول عليه . ( 3 ) انظر ما معنى هذه الكلمة ؟ لم يرد لهذه الكلمة ذكر في التفصيلات السابقة ، فكيف أوردها في الإجمال ؟ وعلى أية حال فيجدر أن يشار هنا إلى ما نبه إليه ابن سينا في الإشارات ج 3 ص 125 ط الحلبي من أن أبا القاسم البلخي المعروف بالكعبي هو وفرقته ذهبوا إلى استحالة وجود العالم قبل الوقت الذي وجد فيه لأنه لم يكن قبل وقت وجوده وقت وبملاحظة رأى الكعبي هذا يدخل الوقت ضمن الآلة وغيرها من الأمور التي يعمل لوجودها وعدمها حساب عند البحث في حدوث العالم وقدمه .